«13 نيسان» 1975 في عيون 13 شاهداً شاركوا ذكريات الحرب وأفظع ما اختبروا خلالها من مواقف.
https://aawsat.com/%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%82/%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D9%82%D8%B6%D8%A7%D9%8A%D8%A7/5131584-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D9%86%D8%A7%D8%A6%D9%85%D8%A9-%D9%81%D9%84%D8%A7-%D8%AA%D9%88%D9%82%D8%B8%D9%88%D9%87%D8%A7-%D9%86%D8%B5%D9%81%D9%8F-%D9%82%D8%B1%D9%86%D9%8D-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%86%D9%8A%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86«بوسطة عين الرمّانة» التي كانت بمثابة الشرارة الأولى لاندلاع الحرب اللبنانية انقضى نصف قرنٍ على ما قيل إنها الشرارة الأولى للحرب الأهلية في لبنان، حادثة «بوسطة عين الرمّانة».
يحلو للبعض الظن أن القلوب ما عادت ملآنة، فيما يخشى البعض الآخر من أن تكون «الحرب نائمة تحت الوسائد». لكن المؤكّد أن البوسطة التي أُطلق عليها الرصاص في 13 أبريل 1975 استحالت صدأً.ظهيرة ذلك الأحد المشمس، تعرّضت حافلة تقلّ مجموعة من منظّمة التحرير الفلسطينية لإطلاق نار من عناصر حزب الكتائب في منطقة عين الرمّانة ذات الغالبية المسيحية. سقط 27 شخصاً من أصل 30 كانوا يستقلّون الحافلة. وكان قد سبق ذلك وفي اليوم والمكان نفسَيهما، إطلاق نار استهدف مرافقي مؤسس حزب الكتائب بيار الجميّل، مما أدّى إلى مقتل عددٍ منهم. وحُكي أنّ الهدف الأساسيّ كان اغتيال الجميّل نفسه. حتى اليوم، ما زالت الآراء والمعلومات متضاربة بين الطرفين بشأن خلفيات الحادثة ونتائجها. غير أنّ التاريخ الحديث يعتبرها النقطة المفصليّة التي أطلقت صفّارة الحرب في لبنان، وكل ما تلاها من دويّ وحطام ودماء. في الذكرى الخمسين لـ«13 نيسان»، تعود «الشرق الأوسط» إلى ذلك اليوم الدامي، فتستضيف مجموعةً ممّن شهدوا عليه. بعضهم وقف على جبهة القتال، ومنهم من حاول إخماد النار، ومنهم مَن وثَّق بعينَيه وذاكرته وندوبِه. أين كنت في ذلك اليوم، وما كان تمَوضعك السياسيّ؟ وهل تعلَّم اللبنانيون درس الحرب الأهلية؟ سؤالان طرحناهما على ضيوفنا الشهود والآتين من عوالم السياسة، والثقافة، والتعليم، والحقوق، والإعلام.تتذكّر ياسمين جمهوري ذلك اليوم بوضوح. «كنّا متّجهين إلى المطار لإيصال والدي الذي كان مسافراً، وفي الطريق لاحظنا انتشاراً عسكرياً فلسطينياً». كانت رئيسة قسم بعبدا الكتائبيّ، والمعروفة بـ«نانو»، في الـ13 آنذاك. رغم سنّها الصغير، كانت قد انتسبت للحزب المسيحيّ، «بما أنّ الانتماء الكتائبي في بيتنا يسري في العروق أباً عن جدّ، وأماً عن جدّة».عادت العائلة من المطار إلى البيت حيث سمعت خبر استهداف «البوسطة» عبر الراديو. تروي جمهوري: «لم أتفاجأ كثيراً لأننا كنا نلاحظ تحركات مريبة في المنطقة. لكن لم أفهم شيئاً كفتاة في الـ13 من عمري». كل ما تعرفه أنها وخلال أيام، حملت البندقية هي وفتيات أخريات ووقفن لحراسة مراكز الحزب، «فيما الشباب يقاتلون على الجبهات». خضعت «نانو» لتدريبات عسكرية وشاركت في معركة كفرشيما، ثم تمركزت على المدفعيّة في الـ19 من عمرها خلال معركة زحلة. حدث ذلك بالتزامن مع تخصصها في إدارة الأعمال المعلوماتيّة في الجامعة اليسوعية. «كنّا الجبهة المساندة للشباب في منطقة عيون السيمان، نحضّر ملابسهم وطعامهم ونقوم بالحراسة ليلاً». وتضيف جمهوري: «كل ما قمت به كان انطلاقاً من إيماني بلبنان وتجذّري بأرضه. لم أندم يوماً، وإذا اقتضى الأمر فسأحمل السلاح من جديد». لكنها في المقابل تؤكّد أنها من الجيل الذي تعلّم دروس الحرب، «أما بعض القادة السياسيين فلم يفعل».أسعد الشفتري - مسؤول أمني سابق في حزبَي الكتائب والقوات ونائب رئيس جمعية «محاربون من أجل السلام» في 13 أبريل 1975، كان أسعد الشفتري طالب هندسة في الـ20 من عمره يجلس إلى مائدة الغداء مع أهله في بيتهم في بيروت. «رنّ جرس الهاتف وجاء صوت الرفيق في حزب الكتائب سليم صادر لينبئني بما حصل». توجّه الشفتري فوراً إلى مركز الحزب، وبدأت رحلة تجهيز شبكة التواصل والتنصّت الخاصة بالحزب. يروي مستذكراً: «بعد الحادثة، انطلقت إلى منطقة فرن الشباك المحاذية لعين الرمانة، حيث ركّبت أول جهاز لا سلكي على سطح أحد المباني.»كانت تلك من بين أولى المهمات، التي تلاها ما هو أصعب وأكثر تعقيداً، إذ أصبح الشفتري أحد الرؤوس الأمنية في حزب الكتائب، ولاحقاً في القوات اللبنانية. أسأله عن أفظع ما رأى خلال تلك المرحلة فيجيب: «كانت مجموعة من مقاتلي حزب الكتائب متّجهة إلى إحدى مناطق التماس في بيروت. جهّزتهم بالأدوات اللاسلكية للتواصل معنا، ثم لمحت الموت في عيون اثنين منهم. هذان الشابان لم يعودا أبداً من المهمة. شعرت بذنبٍ ما زال يرافقني حتى اللحظة». يحاول الشفتري محو هذا الذنب «بتأسيس حياة أفضل للأجيال اللاحقة كي لا يخوضوا هذه الحروب»، وفق تعبيره. يبوح بأنه «نادم على ارتكابات كثيرة»، لكنه راضٍ عن واقعه الجديد: «أنا الآن متسامح، ولديّ قناعة بأنّ العنف لا يؤدّي إلى حلول». برأيه، فإنّ «اللبنانيين لم يتعلموا الدرس لأن السلطة لم تؤسس لعدالة انتقالية تأخذنا من الحرب إلى السلام».زياد صعب - مقاتل سابق في الحزب الشيوعي ورئيس جمعية «محاربون من أجل السلام» لم يُسمع أزيز رصاص عين الرمانة في منطقة برج حمّود، حيث كان يمضي زياد صعب ظهيرة الأحد على سطح منزله. كان على العنصر الشاب في الحزب الشيوعي أن ينتظر زيارة رفيقٍ له حتى يخبره بما حدث. يروي لـ«الشرق الأوسط»: «كنت في الـ16 ومتعطشاً للقتال. وفور سماعي الخبر سألت متى ننطلق». يتابع صعب: «جمعت الشباب وذهبنا إلى أحد المنازل القريبة، وجهّزنا السلاح المخبأً هناك». كانت لديه ثقة قائد ميدانيّ، بينما مَن في سنّه جالسون إلى مقاعد الدراسة. «لم تكن هناك مدرسة ثانوية في منطقتنا. ظننّا أن العلم ممنوع علينا، ولم نجد سوى العنف بديلاً عن العلم كوسيلة للتغيير. وعندما فُتحت لنا مدرسة وصرت مسؤولاً عن شؤون الطلاب، كانت الحرب قد اندلعت فانتقل التلاميذ من الصفوف إلى الجبهات».ما زال مشهد «الجثة الأولى» عالقاً في ذاكرته: «حدث ذلك في يونيو 1975. كان صديقاً من عمري... اختفى قبل أيام، وذهبت للبحث عنه في منطقة سن الفيل فوجدته جثة ملقاة أرضاً، بعد أن تعرّضت للتعذيب والتشويه». يندم على 15 سنة أمضاها محارباً، ويتأسف على لبنانيين تعلموا الدرس لكنهم لا يقومون بأي فعلٍ من أجل التغيير. أما هو فيحاول التعويض من خلال جمعية «محاربون من أجل السلام». أسسها إلى جانب محاربين قدامى من الأحزاب التي كانت متناحرة خلال الحرب. جمع زياد صعب أعداء الجبهات فباتوا رفاق السِلم.في 13 أبريل 1975 كان فؤاد السنيورة في بيته في صيدا، ولم يعلم بالحادثة التي وقعت ظهراً سوى في المساء. «كان حدثاً جللاً خصوصاً أنه كان قتلاً متعمداً»، يقول الرئيس السابق للحكومة اللبنانية لـ«الشرق الأوسط»: «لكننا لم نتصور أن تنجرف الأمور بعده إلى ما هو أدهى بكثير». لطالما كان هوى السنيورة عروبياً، لكنه في تلك الآونة لم يكن منضوياً تحت لواء أي حزب: «كنت قد انسحبت من حركة القوميين العرب في منتصف الستينيات». تفرّغ للأنشطة الثقافية والتدريس. وفي أحد أيام خريف 1975، وفيما كان يقود سيارته برفقة زميله الأستاذ الجامعيّ د. حسن صعب من شارع بلِس إلى منطقة القنطاري، حصل ما لن ينساه مدى العمر.يروي السنيورة: «كانت نافذة السيارة مفتوحة فسمعت صوتاً ينادي: وقّف... وقّف. تبيّن أن هناك حاجزاً لمسلّحين من حزب الكتائب. خرج من خلف «الدشمة» شخص ملثّم ومسلّح وقال: «يا دكتور حسن كنت رح قوّسكن لو ما عرفتك... أنت استاذي بالجامعة. الله معكن». تركت تلك الحادثة أثراً كبيراً في نفسه، خصوصاً أنها «كانت مؤشّراً إلى انضمام جيل كامل من الشباب للحرب الأهلية». اليوم، وبعد 50 عاماً على تلك اللحظة، يرى السنيورة أن «ثمة لبنانيين استخلصوا العِبَر من الحرب ومنهم مَن لم يفعل». لكن المؤكّد في نظره، هو أنّ «المجتمع اللبناني ما عاد راغباً في خوض حروبٍ أهلية بعد الآن، والدليل احتضانه بعضاً لبعض خلال العدوان الإسرائيلي الأخير».أكرم شهيّب - قياديّ في الحزب التقدّمي الاشتراكي، نائب حالي ووزير سابق لم يكن أكرم شهيّب قد انتسب بعد إلى الحزب التقدّمي الاشتراكي، يوم وردَ إلى دارة أهله في عاليه نبأ بوسطة عين الرمانة. كان الشاب منخرطاً في مجال التعليم بعد أن استكمل دراسته في جامعة القاهرة، غير أنّ الهوى السياسيّ في البيت كان اشتراكياً، و«كمال جنبلاط القامة الوطنية والمرجع». يخبر شهيّب أن الخبر لم يفاجئه كثيراً حينها، «لأنّي كنتُ في جوّ الاستنفار النفسي الحاصل في معظم المناطق اللبنانية». يتابع: «صحيح أن بوسطة عين الرمانة كانت الشرارة الأولى، لكن لو لم تندلع في عين الرمانة لاندلعت في مكان آخر. الأوضاع الإقليمية والمحلية كانت ستفرض الحرب عاجلاً أم آجلاً».من السنوات الدامية تلك، أكثر ما يؤلم أكرم شهيّب «رفاقٌ أصيبوا في الحرب وما زالوا على الكرسي المتحرك حتى اليوم. الظلم الذي تعرضوا له يحزّ في نفسي. هذا مشهد من الحاضر يذكّرنا يومياً بمأساة الماضي». لا يندم الرجل، الذي خاض الحرب والسِلم إلى جانب الحزب التقدمي الاشتراكي ورئيسه وليد جنبلاط، على شيء قام به. «كنت أسعى في مراحل للدفاع عن النفس، هذا كان دوري وكنت مثل الجميع أعتبر أنني كنت على حق والآخر على خطأ». يعتبر شهيّب أنّ «مصالحة الجبل» عام 2000، والتي بادر إليها وليد جنبلاط والبطريرك صفير «وضعت اللبنة الأساسية لتضميد الجراح». يبدو مطمئناً إلى أن اللبنانيين تعلّموا الدرس، لكنّ «غليان المنطقة» يقلقه لأنه «ينذر بما هو أصعب».إلياس عطا الله - قيادي سابق في الحزب الشيوعي، أمين سر حركة اليسار الديمقراطي ونائب سابق عقب حادثة بوسطة عين الرمانة، لم يكن الياس عطا الله يتوقّع أنّ «تتدهور الأمور إلى هذا الحدّ وأن تكون تلك مقدّمة لحرب أهلية». يخبر «الشرق الأوسط» أنه كان حينها في الـ28 من عمره ورئيس فرع كلية التربية في الجامعة اللبنانية في اتحاد الشباب الديمقراطي. «في أحد الأيام، وفيما كنت متّجهاً سيراً على الأقدام إلى الجامعة سمعت قصفاً للطيران، وكنت في نقطة قريبة من المدينة الرياضية. بالنسبة لي، كان هذا المشهد بداية الحرب في لبنان»، يروي إلياس عطا الله.أمّا الصورة التي لا تُمحى من مخيّلته فسُجّلت في نهاية 1975: «كنت في مهمة حزبية في منطقة حيّ السلّم عندما رأيت كتبَ مكتبة جامعتي مرميّةً في الوحل أرضاً... سُرقت من الجامعة ورُميت مع كراسٍ وصحون محطّمة». يتابع عطا الله: «لا شيء آلمَني بقدر ما فعل هذا المشهد، خصوصاً أنني شاركت في تجهيز جزء من تلك المكتبة». مع أنه لم يحارب ولم يطلق النار وفق ما يؤكّد، بل كان منسّق عمليات جبهة المقاومة الوطنية، غير أنّ إلياس عطا الله «نادم على التكيّف مع الحرب، وعلى مساري فيها». يضيف متأسفاً: «ذاك لم يكن أنا، بل شخص آخر». وبعد، هو يستبعد أن تكون الحرب قد انتهت في أذهان اللبنانيين، «لا سيّما أن الوعي الجماعي معتاد على الفساد والكسل».رشيد درباس - وزير سابق ونقيب المحامين في طرابلس سابقاً في الحقبة التي شهدت اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، كان ابنُ طرابلس الوزير السابق رشيد درباس يجاهر بهواه الفلسطيني وبانتمائه للحركة الوطنية اللبنانية. كان في بغداد يوم 13 أبريل 1975 مشاركاً في مؤتمر اتحاد المحامين العرب. ولدى عودته بعد أيام سالكاً الطريق البحري بالتاكسي من مرفأ بيروت إلى عاصمة الشمال، لم يلحظ ما يقلقه أو ينبئه بتدهور الأوضاع.لكن ما لم يكن في الحسبان حصل، وامتدّ النزيف إلى طرابلس حيث اختبر درباس الحرب على طريقته. هو الفلسطينيّ العروبيّ الهوى سرعان ما أصابه الخذلان. يبوح لـ«الشرق الأوسط»: «أندم لأنني انغمست إلى أذنيّ، ليس قتالاً، إنما التصاقاً بالحركة الوطنية والقيادات الفلسطينية. أصابتني اليقظة يوم حوصر مرفأ طرابلس من الزوارق السورية، فتبيّن لي أن المقاومة الوطنية ليست خطاً واحداً كما كنت أظنّ، وأنّ الجيش السوري بات رديفاً للقوى اليمينية التي كنا نحارب»، يتابع: «لديّ الشجاعة اليوم لأقول إنني لم أكن متبصّراً».اختبر درباس محاولات القتل والخطف، مما اضطرّه إلى السفر إلى قبرص عام 1977 والابتعاد عن عائلته؛ «لم أشارك في جنازة أبي الذي توفّي في غيابي وما زال هذا الجرح في قلبي. طعنتني كذلك خسارة عدد كبير من الأصدقاء شهداءَ في تلك الحرب».مي كحّالة - صحافية وأول مستشارة إعلامية لرئاسة الجمهورية اللبنانية كانت مي كحّالة تمضي ذاك الأحد المشمس مع عائلتها في بيتهم الجبليّ. «سمعنا بأنّ أمراً ما حدث في عين الرمانة، فعدنا أدراجنا إلى منزلنا في سن الفيل شرقي بيروت. شاهدنا على طريق العودة وعلى مقربة من المنزل حواجز فلسطينية. لكن ليس سوى مساءً حتى عرفنا التفاصيل عبر إذاعة مونتي كارلو، ولم ننم في تلك الليلة من أزيز الرصاص». تخبر الإعلامية والمستشارة الإعلامية السابقة لرئاسة الجمهورية: «ربيت في بيت لا انتماء سياسياً لديه، لذا لم أستوعب ما يجري، إلى أن بدأت القوى الفلسطينية المحيطة بالبيت تتحرّك. أقفلت طرقات كثيرة وصار التنقّل صعباً. عشت قلقاً كبيراً لكني كنت أعتقد دائماً أنها مرحلة وستمرّ».من البيت المسالم مباشرةً إلى الميدان، انتقلت كحّالة مراسلةً حربيّة لصحيفة «النهار»؛ «كان الاتّكال على الصحافيات الإناث أكثر في تلك المهمات حينذاك، بما أنّ الذكور كانوا عرضةً للخطف والقتل على الهوية. خاطرتُ كثيراً، وأكبر مخاطرة كانت محاولة العبور إلى الجنوب لتغطية الاجتياح الإسرائيلي. هناك، علقنا بين نار القنص الإسرائيلي والجهات التي كانت تردّ عليه». أما أفظع مشهد فهكذا سجّلته ذاكرتها: «كنت أعبر من منطقة المتحف باتجاه المحكمة العسكرية حيث تنتظرني سيارة من الجريدة. رأيتُ جندياً مختبئاً خلف دبّابته ويومئ لي من البعيد بأن أركض. ركضت فوجدت جثة أرضاً وتجمّدت بدل أن أهرب من القنص. ما زلت أذكر وجه الرجل المقتول حتى الآن...».«لم يتعلّم اللبنانيون درس الحرب لأنهم ما زالوا يتقاتلون ثم يعودون للعيش معاً» - مي كحّالةتركت «الشرارة الأولى» للحرب الأهلية ندوباً عميقة في جسد فرقة «كركلّا» للرقص. يروي مؤسّس المسرح العريق، عبد الحليم كركلّا، لـ«الشرق الأوسط» كيف انهمر الرصاص على سيارات الراقصين أثناء عودتهم من افتتاح مسرحية «غرائب العجائب وعجائب الغرائب» في 13 أبريل 1975.بغصّةٍ ما زالت ترافقه حتى اليوم، يقول كركلّا: «طال الرصاص عدداً من الراقصين مما أدّى إلى إصابة نجمة الفرقة أميرة ماجد بالشلل، كما اخترقت رصاصة جسد ملكة جمال لبنان مارسيل حرّو التي كانت معنا». لكن التحدّي الأكبر بالنسبة إلى كركلّا كان «الحفاظ على تركيبة الفرقة كي لا تتفرّق كما تفرّق لبنان، خصوصاً أنّها تعكس صورة الوطن المتنوّع». يتابع: «صرنا نهرب من الأماكن الخطرة إلى الأماكن الآمنة. من بيروت إلى جونية». لم يتوقف المسرح خلال الحرب اللبنانية لا في الداخل ولا في الخارج. «وعندما بدأت القذائف تطال مركزنا في جونية، انتقلنا إلى طرابلس. ومن طرابلس إلى بعلبك حيث تابعت الفرقة تدريباتها. ثم من بعلبك إلى الشوف بدعوة من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط».أما أفظع مشهد عالق في ذاكرة كركلّا، فهو انهمار القنابل والقذائف حول سيارات الفرقة، خلال انتقالها «من المكان الذي كنا نظنه آمناً إلى مكان أكثر أماناً»، وفق تعبيره. هو الذي استطاع الحفاظ على الفرقة وعروضها حتى في أعتى أيام الحرب، يرجو أن «يكون اللبنانيون قد تعلموا الدرس لأنهم يحبون الازدهار والثقافة والحرية».عصام خليفة - مؤرّخ وباحث أكاديمي وأستاذ جامعي وناشط نقابي «بوسطة» من نوعٍ آخر استقلّها عصام خليفة في 13 أبريل 1975، فأستاذ التاريخ في ثانوية البترون كان يرافق طلّابه في رحلة إلى البقاع والليطاني. «في طريق العودة، عبرنا صيدا وبيروت من دون أن ندري بما حدث. وصلنا مساءً لنجد الأهالي متجمهرين ينتظرون أولادهم بقلق، وهناك اكتشفنا ما حدث. كان الجو محتقناً فلم أتفاجأ كثيراً بالخبر». كان خليفة قد أسس «حركة الوعي» التي نشأت من قلب الجامعة اللبنانية. يشرح: «كنا مع عدالة القضية الفلسطينية لكن رفضنا التدخل الفلسطيني بالشأن اللبناني، خصوصاً التمدد العسكري على حساب السيادة. كنا متمايزين عن اليسار واليمين اللبنانيَين». أفظع ما شاهد وما زال محفوراً في ذاكرته حصل فيما كان يدرّس في بيروت: «كنت عائداً إلى شقّتي بعد الدوام، حاولت فتح الباب فلم أفلح. فتحت الباب امرأة تحمل بندقية وسألتني: . أنا الذي لم أحمل السلاح يوماً، أجبتها بأني صاحب الشقة فقالت: ». يتابع خليفة: «في تلك الآونة، حاولنا من خلال مجموعات وحركات ثقافية تغييرية أن نجمع الناس من كل الأطراف لتتحاور ضد الحرب والعنف. نظمنا تظاهرات نقابية وثقافية وحاولنا إزالة السواتر الفاصلة بين «شرقية» و«غربية». ناضلت من أجل السلام لذلك لا أندم على شيء. لكن لو تعلّم اللبنانيون الدرس من الحرب لما راهنوا على الخارج حتى الآن».تخبر الروائية والصحافية اللبنانية علويّة صبح أنها في 13 أبريل 1975، كانت في منزل ذويها في منطقة السبتيّة شرقي بيروت. كانت حينها طالبةً جامعيّة يساريّة الهوى، تتخصص في الأدبَين العربي والإنجليزي. «كنت أؤمن بالعلمنة وبنظام مدني، وافترضت أن الحزب الشيوعي والحركة الوطنية هدفهما ذلك. لكن لاحقاً تملّكتني خيبة وانزويت وابتعدت». لم تكن تعرف حينها أنّ خيبات الحرب ليست عقائديّة فحسب، بل قد تتحوّل في أي لحظة إلى صدماتٍ ترافق المرء مدى العمر. تقول إنها لا تزال تكتب عن الحرب كي تمحوها من ذاكرتها الشخصية.ما لم تستطع محوه حتى اللحظة هو هذا المشهد: «سمعتُ نداءاتٍ في منطقة برج حمّود، حيث كنّا قد انتقلنا، تطلب المساعدة في نقل جثث ضحايا مدنيّين إلى المسجد». تبرّعت علويّة صبح لأداء المهمة، فملأت المقاعد الخلفيّة وسطح سيارتها بالجثث ونقلتهم. «كانت المرة الأولى التي أشاهد فيها جثة. توهّمت الشجاعة وعندما وصلت إلى البيت أخبرت الحكاية لأهلي بفخر وكأنني بطلة، لكن الكوابيس التي أصابتني تلك الليلة دفعتني إلى الصراخ وأنا نائمة. وما زال هذا المشهد القاسي يلازمني منذ ذلك الحين». أما أكثر ما يؤلمها اليوم فهو أن أبناء بلدها لم يتعلّموا الدرس، بل احترفوا صناعة الطائفية. تتساءل: كيف يُشفى المجتمع من ندوبه إن لم يقُم أي زعيم بنقدٍ ذاتيّ وظلّ متمسكاً بأنه على صواب وسواه على خطأ؟يوم تعرّضت «البوسطة» لإطلاق الرصاص، كانت ندى عبد الصمد في الـ10 من العمر. تروي لـ«الشرق الأوسط»: «شعرت بأن أمراً كبيراً حدث لأنّ معارف أهلي بدأوا بالتوافد إلى منزلنا في بيروت. كان والدي منتسباً إلى الحزب الشيوعي، أما والدتي فمنخرطة في لجنة حقوق المرأة في الحزب». يكرّ شريط الذكريات في رأس الإعلامية اللبنانية: «طريق الذهاب والعودة من وإلى المدرسة تحت القصف. نشوء التنظيمات المسلحة الصغيرة بعد حرب الفنادق، وتَمركُز بعضها تحت بيتنا. أذكر كيف كانوا يشتبكون... مثل «الصاعقة»، و«أبو كوسا» وغيرهما ممّن كان تمويلهم فلسطينياً». أما أبشع المشاهد فسُجّل يوم السبت الأسود في 6 ديسمبر 1975: «رافقت والدي إلى مركز عمله في شركة الكهرباء. وفي الطريق إلى هناك من جهة المرفأ رأينا جثتين، بالتزامن مع بداية المجازر على الهوية...».في اعتقاد ندى عبد الصمد، مهّدت حرب الـ75 الدرب لفرزٍ مذهبيّ، «فاتخذت الأحزاب طابعاً طائفياً بعد أن كانت مختلطة ومتنوعة». انطلاقاً من ذلك، فهي ليست مطمئنّة إلى أنّ اللبنانيين تعلّموا درس الحرب، بل تذهب إلى حدّ القول: «أعتقد أنهم قد يكررونها لكن بأشكال ثانية، لا سيّما أنّ لبنان بتركيبته الطائفية يؤسس لحروب مذهبية بسبب المحاصصة القائمة». وتتابع ندى عبد الصمد: «المشكلة هي في أننا ما زلنا ننتج الأشخاص أنفسهم والأنظمة ذاتها».«كنت في الـ11 من عمري. أذكر أننا في الأيام التالية للحادثة، وأنا عائد إلى البيت في باص المدرسة، رأيت انتشاراً مسلّحاً في منطقة فرن الشباك المحاذية لعين الرمانة. ما زلت أرى أمام عينيّ أقنعة المسلّحين وهي تغطّي وجوههم». هكذا يتذكّر باتريك باز الأيام التي تلت حادثة عين الرمّانة. مع الوقت، أراد أن يصبح مثل هؤلاء المسلّحين. يوضح: «كانوا المرجع القوي الوحيد، وكأطفال رغبنا في تقليدهم». لاحقاً، عندما اتّسع وجود مسلّحي الكتائب وصار تحت بيت باز في منطقة التباريس، بات المقاتلون يلعبون كرة القدم مع أطفال الحيّ. «مشهد لا أنساه من تلك الفترة ولعلّه أفظع ما شهدت: أحد هؤلاء الشبان شاركَنا اللعب ثم اتجه صوب الجبهة ليعود من جديد، إنما محمّلاً على كتفَي رفيقه».من طفلٍ يلاعب الكرة إلى فتىً يحمل السلاح، تحوّل باتريك باز في غضون أشهر. «حملت السلاح لأول مرة في الـ14 من عمري وكنت أذهب إلى المدرسة والمسدّس على خاصرتي تحت القميص. ومع الشبان المقاتلين كنا نتدرب عليه بإطلاق النار على أهداف وهمية».إلّا أنّ الوعي الذي اكتسبه بعد خروجه من لبنان لسنتَين خلال الحرب، ساهم في تغيير سلوكه. «من جبهة القتال انتقلت إلى جبهة التصوير واستبدلت بالرشّاش الكاميرا في سن الـ18. عبر العدسة أردت أن أعيش الحرب من دون أن أطلق النار على أحد»، يقول باز.القوات الخاصة في عصر الحروب الذكية: كيف تتحول من الظل إلى قلب المعركة؟ تتجه القوات الخاصة حول العالم إلى إعادة تعريف أدوارها في ظل تطور طبيعة الحروب الحديثة، خصوصاً مع التحول من عمليات مكافحة التمرد إلى مواجهات عسكرية واسعة النطاق.أعلن وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها أن ضربة روسية استهدفت مدينة خيرسون بجنوب البلاد، صباح الثلاثاء، حرَمَت 45 ألف شخص من الكهرباء.أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة مقتل ما لا يقل عن 322 طفلاً خلال عشرة أيام في قطاع غزة منذ استئناف إسرائيل القصف بعد هدنة مع «حماس» استمرت شهرين.أعلن وزير الخارجية الصيني وانغ يي اليوم الثلاثاء أنّ بلاده مستعدّة لأداء «دور بنّاء» في سبيل إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا.https://aawsat.com/%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%82/%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D9%82%D8%B6%D8%A7%D9%8A%D8%A7/5130081-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A8%D8%AA%D8%A7%D8%BA%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%B1%D8%B4-%D8%B9%D8%B4%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D9%86%D9%85%D9%88-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%B6-%D8%AE%D8%B7%D9%88%D8%B7-%D8%A5%D9%86%D8%AA%D8%A7%D8%AC-%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%AFأحد عناصر السلطة السورية داخل مصنع لحبوب «الأمفيتامين» المعروفة باسم الكبتاغون في دوما على مشارف دمشق 13 ديسمبر لم تكن سوريا ساحةً لحربٍ تطحن الحجر فحسب، بل غدتْ مسرحاً لحربٍ صامتةٍ تلتهم الأرواح قبل الأجساد. بين أنقاض المدن المحترقة، نما جيلٌ كاملٌ تحت رحمة أقراصٍ زهيدةِ الثمن كانت أساساً معدّة للخارج لكنها أيضاً أغرقت السوق المحلية. بدأت القصة حين حوّل النظام السوري السابق أقراص الكبتاغون إلى «عملةٍ دمويةٍ» لتمويل نفسه وآلة حربه، فتحوّلت هذه الحبوب إلى سيلٍ جارفٍ يجتاح الشوارع والأزقة، يسرق الأعمار، ويحوّل الأحلام كوابيس. وشكَّل عام 2020 المنعطف الأقسى: فقد هبط سعر حبة الكبتاغون من دولار ونصف الدولار إلى خمسة سنتات فقط، أي أرخص من كوب شاي. وتضافرت عوامل عديدة في ذلك منها بدء تطبيق «قانون قيصر»، وفرض عقوبات كبيرة على النظام السوري، والأزمة الاقتصادية والمصرفية في لبنان نهاية 2019، وعدم القدرة على التعامل بالدولار وسحب الإيداعات من لبنان، والنجاح النسبي في ضبط الحدود البرية والحد ولو جزئياً من التهريب. وفي جولة بين العديد من المناطق السورية بعد سقوط الأسد، ولقاءات مع صيادلة وأطباء في عمّان وأربيل، يحاول هذا التحقيق إعادة رسم خطوط إنتاج الكبتاغون بالاعتماد أيضاً على شهادات ضحايا إدمان وذويهم. أحرقت السلطات السورية الجديدة مئات الأطنان من حبوب الكبتاغون المخدرة بالإضافة إلى أكياس من الحشيش في مقر الفرقة الرابعة في دمشق... الثلاثاء في شوارع دمشق المتهالكة، حيث تتدلى الأسلاك الكهربائية كأشباحٍ تترصد المارة، ينتشر السمّ بأسماءٍ بريئة: «حبوب النشاط»، «أقراص السعادة»، «الكابتي يا مسهرني فريز» وغيرها حسب التاجر. الشباب هنا ليسوا ضحاياً عشوائيين، بل أرقام في معادلةٍ ممنهجة. تقول أرقام منظمة العمل الدولية لعام 2023 إن 39.2 في المائة من الأشخاص بعمر الإنتاج عاطلون عن العمل في سوريا، لكن الأرقام لا تحكي كيف يقضي أحمد أيامه جالساً على رصيفٍ مهترئ في أحد شوارع ركن الدين في دمشق، يحدّق في حذائه المثقوب، بينما يهمس تاجرٌ قريبٌ منه: «هذه الحبة ستجعل منك رجلاً... ستعمل مثل الحصان دون تعب!». لم يكن أحمد يعلم أن «الرجل» الذي وُعد به سيصبح عبداً لحبوب زرقاء، وأن ساعات العمل الطويلة في الورشة المُدمَّرة ستتحول إلى كابوسٍ لا ينهيه إلا بالمزيد من الأقراص. القصة تتكرر كأنها لعنةٌ جماعيةٌ في بلد تتناوب عليه موجات الحرب والفقر. في هذه الظلمة يلمع بريق الكبتاغون كشهابٍ زائف. تتقاطع روايات المصادر عن حبة تُسقط الفتيانَ واحداً تلو الآخر، كقطع دومينو لا تستثني الفتيات. حتى أحلام الهجرة باتت جزءاً من المأساة: أحدهم يبيع أرضاً ليموّن رحلةً بحريةً، لكن ينتهي به المطاف في زنزانةٍ تركية... مدمناً، بلا أرضٍ ولا مال ولا مستقبل. أكثر من عشر شهادات على امتداد المناطق السورية، قمنا بجمعها من أصحابها مباشرة أو من ذويهم لرصد ظاهرة الإدمان التي اتخذت منحى مختلفاً بعد سقوط نظام الأسد. فما كان بالأمس «تجارة» منظمة تعتمد على قطاع صناعة الأدوية والتصدير الخارجي ويسعى لزيادة أعداد «المستهلكين» داخلياً لضمان استمرارية الإنتاج، أصبح عملاً عشوائياً يسقط مزيداً من القتلى بجرعات زائدة.ياسر من حلب، طرده أهله فالتجأ للسكن في غرفة في قبو لدى زوج خالته الذي سهل لنا التواصل معه. يقول ياسر: «كان أصدقائي يضحكون حين يتعاطون الحبوب... قالوا إنها تجعلك تشعر كأنك بطل في لعبة فيديو. جربتُها لأثبت أنني شجاعٌ مثلهم. الآن، أجوب الشوارع كالشبح... أسمع صوت أمي يلاحقني. في الليالي الباردة، أتسلل إلى بيتنا، ألمس الباب المُغلق، وأتخيل أن قذيفةً تسقط عليّ... ربما يمنحني الموتُ غفراناً لا أستحقه». علي من دير الزور يعمل ويسكن في حي غويران بالحسكة حيث قابلناه بعد نهاية يوم عمل شاق. قال: «في يومٍ، حملتُ أكياساً من الطحين على ظهري لمدة 10 ساعات متواصلة. كان صاحب العمل يراقبني، ثم ألقى إليّ بحبةٍ قائلاً: خذ هذه ستجعل ظهركَ من حديد. الآن، ظهري يرزح تحت أثقال كثيرة... أكثرها قسوة ما أراه في عيون أطفالي. حين أعود للمنزل، أتظاهر بالنوم كي لا يقتربوا مني. أسمعهم يهمسون: بابا ينام كالميت!». في بيوتٍ كانت يوماً تعبق برائحة القهوة الصباحية، تُحكى الآن حكاياتٌ يُراعى ألا تسمعها الجدران. محمد أبو يوسف يفرك يديه المتشققَتين وهو يحدّق في صورة ابنه البكر، ويقول: «كنت أبيع صحتي وعافيتي في الطرقات والعمل الشاق لأدفع رسوم دراسته. لكن الكبتاغون سرقه مني. حين وجدته يهتزّ كالورقة في الزاوية، صرخت: لماذا لم تمت في القصف؟! حاولت دفعه للسفر إلى أوروبا عبر مهربين، لكنه هرب من الشاحنة في منتصف الطريق وعاد إليّ بعد أشهر، عيناه تُشبهان فجوتين مظلمتين. الآن، حبسته في المنزل وأقوم بشراء الحبوب له وأدعو كل ليلة أن يأخذه الله».تعمل الطبيبة روان الحسين في أحد أفرع مديرية الصحة ولديها عقد استشاري مع منظمة غير حكومية تعنى بقضايا الإدمان. تغرق الطبيبة يومياً بين أكوام من الملفات، في محاولة لإنقاذ ما تبقى من أرواح، وتقول: «قبل أسبوع، جاءني شاب هزيل يحمل ابنته الرضيعة. قال: خُذيها قبل أن أبيعها مقابل الحبوب. لا أملك حتى سريراً لإيوائها».تتنهد الحسين وهي تلملم أوراقاً تالفة وتقول: «المنظمات الدولية ترسل لنا صناديقَ أدوية من دون دراسة احتياجاتنا بينما شبابنا يموتون لأن السموم صارت جزءاً من دمائهم. ماذا سنفعل بضماداتٍ لجراح لا تُرى». المأساة الإنسانية تكمن في غياب خدمات الصحة النفسية وعلاج الإدمان. ويشير موظفون عاملون في سوريا ضمن المفوضية السامية للاجئين ومنظمة الصحة العالمية إلى أن عدد المراكز المتخصصة بعلاج الإدمان حتى مطلع شهر فبراير من عام 2025 لا يتجاوز 10 مراكز على امتداد الأراضي السورية، بينما تقدّر الاحتياجات بأكثر من 150 مركزاً. وفي وقت تعرض أكثر من 70 في المائة من المنشآت الصحية للتدمير الجزئي أو الكلي يصبح من شبه المستحيل الوصول إلى خدمات صحية إسعافية مجانية. وتقول الحسين: «حتى البرامج القائمة تعاني من نقص الأدوية النفسية، واعتمادها على جهود تطوعية». ولعل المشكلة الأعمق هي الوصمة المجتمعية والخوف من النظرة الدونية للمدمن وعائلته. ففي درعا على سبيل المثال، رفض الأهالي إنشاء مركز تأهيل خوفاً من «تشويه سمعة المنطقة»، حسبما علمت «الشرق الأوسط» من منظمة محلية.لم يكن سقوط نظام الأسد نهاية المعاناة، بل كانت شرارةً لفوضى أكثر تعقيداً. فكما أدى انهيار المؤسسات في زمن الحرب إلى تحويل الشباب إلى وقودٍ لإدمانٍ رخيص، حوَّلت تركة النظام الأمنية إلى ساحةٍ لصناعة كبتاغون أكثر فتكاً. فالحكومة الجديدة، التي داهمت ودمرت المصانع العلنية، لم تدرك أن شبكات الإنتاج ستتجزأ إلى ورشٍ عشوائيةٍ تُدار بخبرة مهربين سابقين، ومدمنين استفاقوا على واقع جديد. فـ«الحبة الزهيدة» التي اعتادوها أصبحت بضاعةً نادرةً تباع بأسعارٍ تُجبرهم على العمل في تلك الورش نفسها لتمويل إدمانهم، وهي ورش عشوائية تخلط السموم بأيدٍ عارية، وبمقادير مرتجلة.ومباشرة بعد سقوط نظام الأسد، أطلقت الإدارة الجديدة حملةً عسكريةً وأمنيةً لاجتثاث مصانع الكبتاغون، التي كانت تُعدُّ أحد أعمدة تمويل النظام السابق. ونجحت الحملة في تدمير عشرات المنشآت الكبرى، في ريف حمص وريف دمشق، لكن هذا النجاح حمل في طياته كارثةً غير متوقعة. فمع انهيار الإنتاج المنظم، عاد سعر الحبة الواحدة وقفز من 5 سنتات إلى دولار ونصف الدولار وأكثر أحياناً، وفقاً لشهادات صيادلة مطلعين ومستهلكين، ما حوَّل المدمنين إلى كائناتٍ يائسةٍ تبحث عن الجرعة بأي ثمن. الحال هنا أشبه بالدمية الروسية: داخل كل كارثةٍ، تكمن كوارث أصغر. فسقوط الأسد لم يُوقف آلة الموت، بل شظّاها إلى آلاف القطع. والمدمنون الذين خُدعوا بوعود «النشوة الزهيدة» في الماضي، وجدوا أنفسهم في دوامةٍ جديدةٍ: حبوبٌ مغشوشة تُنتجها ورشٌ غير خاضعة لأي رقابة، تدفعهم إلى السرقة أو الانضمام لعصابات التهريب للحصول على جرعةٍ تكفي لإسكات آلام الانسحاب. حتى العائلات التي ظنت أن غياب الأسد سيُعيد إليها أبناءها، اكتشفت أن الورش العشوائية حوّلتهم إلى أرقامٍ جديدةٍ في إحصاءات الإدمان والوفيات.في عهد النظام السابق، لم تكن صناعة الكبتاغون عملاً عشوائياً، بل مشروع منهجي للدولة. فقد استغل الأسد «البُنية التحتية الدوائية» لسوريا، التي كانت تُعدُّ واحدةً من الأكثر تطوراً في المنطقة قبل الحرب لإنتاج المواد المخدرة. ففي معامل حلب ودمشق المرخصة والمجهزة بتقنيات عالية، عمل كيميائيون وخبراء صيدلانيون على تطوير تركيباتٍ «آمنة نسبياً»، تضمن الإدمان دون التسبب بوفياتٍ سريعة. ثلاث مقابلات مع ثلاثة صيادلة كانوا يعملون مع معامل أدوية مختلفة وفي غير مدينة سورية أكدوا أن النظام كان يعمل باستخدام المخابر الرسمية في تطوير تركيباته. ففي فترة من الفترات كانت تغلق المعامل أو تصادر أدواتها بحجج مختلفة ليتسنى لخبراء صناعة الكبتاغون تطوير تركيبات جديدة. ويقول مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط»، وهو مهندس كيميائي عمل في مصنع في منطقة الكسوة جنوب دمشق، إنه من ضمن الخبرات التي كان يتم الاستعانة بها خبرات إيرانية وخبرات هندية للوصول إلى «صيغة مثالية». وقال المصدر: «كان يتم اتباع بروتوكولات دقيقة... النظام أراد حبوباً تُدمن دون فضائح. وهذا ما جعل الكبتاغون السوري الأكثر طلباً في الأسواق»، علماً بأن الخلطة المخففة منه كانت تباع أيضاً كـ«مخدر حفلات» أي أنها ذات تأثير مؤقت.مع انهيار الدولة، خرجت صناعة الكبتاغون من عباءة النظام إلى أحضان الفوضى. وحسب مصدر مطلع فقد «استغل أحد الضباط الذين كان يُشرفون على أحد خطوط التهريب علاقاته السابقة في مناطق حدودية لتأسيس ورشتي تصنيع واستغلال الفقر والفوضى، وذلك طبعاً بحماية ميليشيا مسلحة»، وهو «ليس وحده بالطبع».أما أحد الذين عملوا سابقاً في التوزيع في مناطق شمال شرقي سوريا، ويقيم حالياً في مدينة أربيل العراقية، فقال لـ«الشرق الأوسط»: «أحد التجار كان يُموِّل عمليات النظام عبر شركته الوهمية لاستيراد الأدوية، فأسس شبكةً تمتد من اللاذقية إلى الحسكة». وبذلك انتشرت الورش العشوائية في مناطق كانت تُعدُّ «نظيفة» سابقاً، مثل مناطق سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» بالحسكة والرقة. وأضاف: «تعمل هذه الورش دون غطاء قانوني أو خبرات كافية، حيث يُطحن أي مسحوق أبيض من بقايا أدوية منتهية الصلاحية إلى مساحيق المبيدات الزراعية أو زجاج ويُخلط بمذيباتٍ كيميائية رخيصة». وبسبب فوضى الإنتاج والتسويق تحوَّلت هذه الحبوب إلى قنابل موقوتة. ففي مستشفى دير الزور على سبيل المثال، سجّلت الدكتورة نهى 10 حالات تسمم «غير اعتيادية» في الفترة بين 15 يناير ومنتصف شهر مارس 2025 بسبب جرعات زائدة أو شوائب سامة. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «أغلب المرضى جاءوا يعانون من تشنجات عصبية أو شلل مؤقت في أحد الأطراف، بالإضافة إلى عوارض التسمم المعروفة... وتبين أنهم تناولوا مواد تحتوي على زرنيخ أو فورمالين».سريعاً جداً، ما كان يُعتقد أنه «مشكلة سورية» تحوّل إلى وباءٍ يهدد أمن واستقرار الشرق الأوسط بأكمله. فتجارة الكبتاغون، التي تغذت من جشع الأسد للسلطة وتحالفه مع الميليشيات المدعومة من إيران، صارت جزءاً من اقتصاد الظل الإقليمي، تُموِّل عصاباتٍ في لبنان، وتُغذي الجريمة في الأردن، وتُدخل السموم إلى الخليج عبر العراق. وكل دقيقة تمر تعني ولادة مدمن جديد وخط إنتاج جديد.ولا تزال دول الجوار تعاني من تبعات انتشار الكبتاغون السوري حتى بعد سقوط نظام الأسد، لكن تعاملها مع الأزمة يختلف باختلاف الأولويات والموارد. ففي الأردن ومنذ 2015، تشدد السلطات على عمليات التفتيش الحدودية وتعتمد على تقنيات متطورة في «الجدار الأمني»، الذي يتكون من أسلاك شائكة وعوائق برية ومراقبة جوية بالدرون وأنظمة المراقبة الإلكترونية النهارية والليلية عالية الدقة. لكن المشكلة الأخطر تبقى مع لبنان والعراق، حيث يوجد الكثير من الضباط السابقين والأشخاص النافذين المتورطين في تجارة وتصنيع الكبتاغون، الذين يستفيدون من غطاء سياسي وأمني. لذا فإن الخوف الآن هو أن تستأنف صناعة الكبتاغون المنظمة والدقيقة في كل من البلدين أو أحدهما بالاستناد إلى الخبرات السابقة وقنوات التصريف المعروفة.
United States Latest News, United States Headlines
Similar News:You can also read news stories similar to this one that we have collected from other news sources.
توترات على الحدود اللبنانية السورية: دمار في الجنوب و قتلى في غزةتتواصل التوترات على الحدود اللبنانية السورية مع استهداف الجيش الإسرائيلي لمركز قيادة لحزب الله في جنوب لبنان و مقتل شخص على الأقل في ضربة إسرائيلية في جنوب لبنان.
Read more »
نائب عن 'حزب الله' يعلق على الاشتباكات على الحدود اللبنانية السوريةعلق عضو كتلة 'الوفاء للمقاومة' البرلمانية (حزب الله) في لبنان علي المقداد على الاشتباكات التي اندلعت أمس الأحد واستمرت حتى اليوم الاثنين بين مسلحين لبنانيين وقوات سورية شرقي لبنان.
Read more »
وزير الدفاع الإسرائيلي: لن نتوقف عن القتال طالما لم تتم إعادة الرهائنرحب مسؤولون إسرائيليون بعودة الحرب على غزة، بعدما استأنفت إسرائيل غاراتها على القطاع المدمر الليلة الماضية.
Read more »
إنساننا وحال اللايقين الدائم اليومتوقفت الحرب الإسرائيلية على غزة، وقبل ذلك على لبنان، بموجب اتفاقيات وقف إطلاق النار، لكن من دون أن تتوقف بالطبع الخروقات الإسرائيلية فيهما، سواء المباشرة والعلنية أم المستترة أو الخفية....
Read more »
سلام: حصر السلاح وبسط سلطة الدولة اللبنانية على طاولة الحكومة قريبارئيس الحكومة قال إنه لم يصله أي تهديد باستئناف إسرائيل الحرب على لبنان إذا لم تضع الحكومة جدولا زمنيا لحصر السلاح.. - Anadolu Ajansı
Read more »
الحريري عشية ذكرى اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية: كلنا مدعوون لأخذ الدرس من تلك الحربقال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق سعد الحريري عشية ذكرى اندلاع الحرب الأهلية في لبنان في 13 أبريل 1975، إن الجميع مدعو لأخذ الدرس من تلك الحرب والخروج من عقلية الميليشيا.
Read more »
