صحيفة عربية إلكترونية إخبارية مستقلة شاملة تسعى لتقديم الخبر والتحليل والرأي للمتصفح العربي في كل مكان. ونظرا لحرص الصحيفة على تتبع الخبر في مكان حدوثه، فإنها تمتلك شبكة واسعة من المراسلين في غالبية العالم يتابعون التطورات السياسية في العواصم العربية على مدار الساعة.
بعد طوفان الأقصى وما أكّده من ازدواجية المعايير التي تحكم الامبريالية في مرحلتها المتصهينة -أي المرحلة التي سيطر فيها الصهاينة على اختلاف أديانهم وأجناسهم ولغاتهم على العالم الرأسمالي اقتصاديا وسياسيا وإعلاميا- يبدو من المشروع التشكيك في مصداقية العديد من المنظمات الدولية أو على الأقل قراءة دورها بصورة مختلفة.
وهو أمر لا يمكن حصره في التصنيفات السياسية التي تحدد الموقف الغربي من بعض الأنظمة، بل يتعدى ذلك إلى التصنيفات الدولية لواقعولا يعني هذا النقد تبني السرديات السلطوية التي تلجأ إلى استراتيجية دفاعية مزدوجة أساسها من جهةٍ أولى تخوين الأصوات المعارضة في الداخل وشيطنتها لإنكار الواقع، والتغني -من جهةٍ ثانية- بالسيادة الوطنية ورفض التدخل الخارجي في الشأن الوطني. إن هدفنا في هذا المقال هو تقديم بعض الأفكار التي قد تصلح للإجابة بصورة أكثر موضوعية عن السؤال التالي: هل يعكس التصنيف العالمي لحرية الصحافة انحيازا حقيقيا من لدن أغلبللحقيقة ولمن هم أسفل ومَن لا صوت لهم، وانحيازا للانتقال الديمقراطي وبناء المشترك الوطني على قاعدة الاعتراف بالإرادة الشعبية؟ أم هي حرية شكلية ترتبط بتشريعات وضمانات مؤقتة وهشة وفّرتها منظومة الاستعمار الداخلي أو ما تسمى بـ"الدولة العميقة" وفرضتها على جميع الفاعلين في الحقل الإعلامي، كي تضرب الانتقال الديمقراطي وتنقلب عليه أو على الأقل كي تمنع أي إعادة توزيع أكثر عدلا وإنصافا للسلطة والثروة في تونس؟ هل يعكس التصنيف العالمي لحرية الصحافة انحيازا حقيقيا من لدن أغلب الإعلاميين للحقيقة ولمن هم أسفل ومَن لا صوت لهم، وانحيازا للانتقال الديمقراطي وبناء المشترك الوطني على قاعدة الاعتراف بالإرادة الشعبية؟ أم هي حرية شكلية ترتبط بتشريعات وضمانات مؤقتة وهشة وفّرتها منظومة الاستعمار الداخلي أو ما تسمى بـ"الدولة العميقة" وفرضتها على جميع الفاعلين في الحقل الإعلامي، كي تضرب الانتقال الديمقراطي وتنقلب عليه أو على الأقل كي تمنع أي إعادة توزيع أكثر عدلا وإنصافا للسلطة والثروة في تونس؟ لفهم واقع الإعلام في تونس وتناقضاته، يمكننا أن نبدأ بمحصول عملية الانتقال الديمقراطي ومأسسة استحقاقات الثورة:"تصحيح المسار" أو إجراءات الرئيسيوم 25 تموز/ يوليو 2021 وما تلاها؛ من تحويل حالة الاستثناء المؤقتة إلى مرحلة تأسيسية لجمهورية جديدة ذات نظام رئاسوي. ويعلم كل مهتم بالشأن التونسي أن"الديمقراطية القاعدية" أو الديمقراطية المباشرة هي مشروع سياسي يقوم على نفي الحاجة للأجسام الوسيطة، بل هو مشروع "التأسيس الثوري الجديد" الذي يتقابل جذريا مع"العشرية السوداء" بتشريعاتها وتوافقاتها ومؤسساتها ووسائطها، ويتقابل قبل ذلك كله مع منطق لا مركزية السلطة أو تعدد السلطات الذي أدارها. ففي الخطاب السياسي لتصحيح المسار لا وجود لسلطات، بل هناك وظائف تجد مرجعها ومركزها في الوظيفة التنفيذية باعتبارها أداة تنفيذ الإرادة الشعبية. وإذا كان البرلمان أو القضاء في هذه السردية قد فقدا وضعهما التقليدي باعتبارهما سلطة تشريعية وسلطة قضائية، فمن باب أولى أن تفقد الصحافة صفة"السلطة الرابعة" وأن تُدعى إلى الانخراط في"مشروع التحرير الوطني". ويذهب تقرير"مراسلون بلا حدود" لسنة 2024 إلى أن تقويض الفصل بين السلطات يُمثل "تهديدا كبيرا لمكاسب الثورة التونسية فيما يتعلق بحرية الصحافة". ليس يعنينا في هذا الموضع تفكيك السردية السلطوية باعتبارها إعادةَ تشغيل لمنطق المنظومة القديمة القائمة على ضرب الحريات بالتشكيك في وطنية خصومها وذممهم المالية وعلاقتهم بالخارج، أو تكميم الأفواه بدعوى حماية الدولة ورموزها وأعراض موظفيها، بل يعنينا أن نشتغل على دور المتدخلين في الشأن الإعلامي في الوصول إلى واقعنا الحالي. ونحن لا نعتبر أن واقع الحريات الإعلامية في تونس هو جزء من"مكر التاريخ" أو سوء التقدير بقدر ما هو نتيجة استراتيجيات جماعية واعية، فمكر التاريخ أو سوء التقدير قد يبرران بعض الخيارات الفردية لدى أصحاب"القلوب الطيبة" أو العقول المحدودة، ولكنهما لا يفسران الخيارات الجماعية الممنهجة للهياكل القطاعية أو للمؤسسات"التعديلية" التي انحازت بدرجات مختلفة إلى "تصحيح المسار" وتبنت سردية"العشرية السوداء". منطقيا، تعكس شيطنة عشرية الانتقال الديمقراطي من طرف الإعلاميين ضربا من التناقض، ذلك أن كل مكاسب القطاع المادية والتشريعية وقعت في الفترة التي يُسميها أغلب الإعلاميين في مختلف المنابر المقروءة والمسموعة والمرئية بـ"العشرية السوداء". ولعل أفضل ما يشهد لذلك هو ترتيب تونس في المؤشر العالمي لحرية الصحافة منذ 2013 إلى حدود سنة 2021، فرغم أن ذلك الترتيب لا يعكس توجها إيجابيا ثابتا، إلا أنه يُظهر احتلال تونس للمرتبة الثالثة في ذلك المؤشر واحتلال المرتبة 96 عالميا سنة 2016، والمرتبة 73 عالميا والثانية عربيا بعد جزر القمر سنة 2019، والمرتبة الأولى عربيا و94 عالميا سنة 2021. أما بعد"تصحيح المسار" فقد احتلت تونس المرتبة 94 عالميا سنة 2022، المرتبة 121 عالميا والخامسة عربيا سنة 2023، والمرتبة 118 من بين 180 دولة هذا العام. ونحن لا نأتي بهذا الترتيب لأننا نؤمن بموضوعية معاييره أو بأنها تعكس حرية إعلامية حقيقية تتحرك في أفق وطني وبالالتزام بأخلاقيات المهنة قبل 25 تموز/ يوليو 2021، بل نأتي به من باب الإلزام المنطقي للخصم، أي لبيان تناقض القول بـ"العشرية السوداء" مع التصنيف الدولي لحرية الصحافة في تونس خلال تلك الفترة. إن تعريف"مراسلون بلا حدود" لحرية الصحافة على أنها"الإمكانية الفعلية للصحفيين بشكل فردي أو جماعي لاختيار وإنتاج ونشر المعلومات التي تصب في المصلحة العامة، وذلك في استقلال عن التدخل السياسي والاقتصادي والقانوني والاجتماعي ودون أي تهديدات ضد سلامتهم الجسدية والعقلية"، هو تعريف شكلي صرف. فهو يفترض أن الاستقلالية الصورية أو حتى المضمونة بالتشريعات تُلغي التدخل السياسي والاقتصادي والقانوني والاجتماعي في العمل الصحفي، كما يفترض أن الصحفي مشغول بالمصلحة العامة لا بمصلحته المادية والأيديولوجية أو بمصلحة مشغليه أو بمصلحة النظام. وأخيرا فإن هذا التعريف يفترض أن غياب التهديدات يعني بالضرورة الانحياز للحقيقة أو لمن لا صوت لهم من المهمشين والمقموعين. ولا شك في أننا أمام افتراضات يؤكد استقراء دور الصحافة في مرحلة الانتقال الديمقراطي وبعد"تصحيح المسار" تهافتها، وبالتالي يعطي شرعية كبيرة للتشكيك فيما ينبني عليها من تصنيفات. ختاما، فإن وضع الحريات الإعلامية في تونس خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي لم يكن يعكس قوة الديمقراطيين أو الأجسام الوسيطة المهيمنة على الديمقراطية التمثيلية؛ بقدر ما كان يعكس ضعف الانتقال الديمقراطي ومن يُمثلون"مشروع المواطنة" والقطع مع المنظومة القديمة داخل أجهزة الدولة وخارجها. تقراء مسار الانتقال الديمقراطي يُظهر أن الأغلب الأعم من الإعلاميين قد وظفوا هامش الحريات لوأد الديمقراطية والانقلاب على الإرادة الشعبية وإرجاع ورثة المنظومة القديمة وحلفائهم إلى مركز الشأن العام فأغلب الصحافيين في تونس كانوا منذ هروب المخلوع في خدمة المنظومة القديمة واستراتيجياتها لاستعادة التوازن والهيمنة بعد الثورة. ولذلك لم تكن الحرية التي تمتعوا بها ناتجة عن مبدئية أو عن قوة ذاتية أو حتى عن قوة التشريعات، بل كانت نتيجة ضعف المشروع الديمقراطي ذاته وقوة "الدولة العميقة". مهما كان توصيفنا للواقع التونسي حاليا، فإن استقراء مسار الانتقال الديمقراطي يُظهر أن الأغلب الأعم من الإعلاميين قد وظفوا هامش الحريات لوأد الديمقراطية والانقلاب على الإرادة الشعبية وإرجاع ورثة المنظومة القديمة وحلفائهم إلى مركز الشأن العام. فرغم ما عانته"الصحافة الحرة" في عهد المخلوع من تضييقات مُمنهجة عكسها التصنيف التونسي في مؤشر حرية الصحافة سنة 2010 -المرتبة 164 عالميا- فإن الأغلب الأعم من الفاعلين في المشهد الإعلامي ظلوا مرتبطين في خطوطهم التحريرية ومواقفهم من مخرجات الثورة بالنظام القديم ومصالحه المادية والرمزية. ولا شك في أن هذا الخيار لا يعكس انحيازا للحرية ولا للحقيقة أو الديمقراطية، بل يعكس موقفا انقلابيا واعيا يجعل من البكائيات الحالية على واقع الحريات أمرا متناقضا ذاتيا، ولا قيمة له إلا من جهة التهرب من النقد الذاتي ورفض تحمل المسؤولية فرديا وجماعيا عن مسارات المشروع الديمقراطي التونسي ومآلاته الحالية.
United States Latest News, United States Headlines
Similar News:You can also read news stories similar to this one that we have collected from other news sources.
ماذا يعني أن تكون 'طفلًا زجاجيًا'؟هل سمعت سابقًا بمصطلح 'الطفل الزجاجي'؟ هل تعرف ما يعنيه؟ كيف ينمو؟ في أي بيئة؟ ما المسؤوليات التي يتحملها؟ هل أنت واحد من هؤلاء الأطفال؟
Read more »
الأردن يضع بصمة في سوق الألعاب الإلكترونية المزدهرةقرر الأردن دخول صناعة الألعاب الإلكترونية التي تدر مليارات الدولارات، في محاولة لنيل حصة منها، بعد الثورة التكنولوجية المتسارعة في البلاد.
Read more »
«فيتنام بايدن» في الجامعات الأميركية؟بعد اقتحام حرم الجامعات الأميركية، هل نحن أمام «فيتنام بايدن»، كما قال السيناتور الأميركي بيرني ساندرز أحد رجالات الكونغرس الأميركي، بعد اقتلاع خيام الاعتصامات،
Read more »
سعيد يأمر باتخاذ إجراءات فورية إثر واقعة حجب العلم التونسياعتبر الرئيس التونسي قيس سعيد، أن تغطية العلم التونسي بخرقة من القماش جريمة نكراء تسوجب العقاب، وذلك بعد حجب العلم التونسي بمسبح رادس بسبب عقوبات الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات.
Read more »
الرئيس التونسي يوجه بحلّ مكتب الجامعة التونسية للسباحةوجه الرئيس التونسي قيس سعيد بحلّ مكتب الجامعة التونسية للسباحة بعد حجب العلم التونسي بمسبح رادس إثر عقوبات الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات.
Read more »
وزارة الإعلام تنظّم النسخة الـ 7 من «واحة الإعلام» في الرياضوزارة الإعلام تنظّم النسخة الـ 7 من «واحة الإعلام» في الرياض
Read more »
