تبرز الطبيعة رحماً شعرياً ودالاً مركزياً له حضوره الخاص في ديوان «محاولة لاستصلاح العالم» للشاعر محمود سباق، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وفاز بجائزتها لأفضل ديوان شعر في معرض القاهرة الدولي للكتاب. فمن براح الطبيعة تنفتح نصوص الديوان على
المكان، ليس كجغرافيا محددة الأبعاد، وإنما كمشهدية بصرية مفتوحة بحيوية على أشواق البشر وذكرياتهم وأحلامهم عبر أصوات من الماضي والحاضر والمستقبل. بينما يتحول الحلم بالطبيعة إلى شكل من أشكال الخلاص، تتناثر صوره ورموزه وحالاته في الديوان، فرغم أنها رمز للحنو والعطف والجمال فهي مع ذلك لا تخلو من قسوة، خصوصاً حين تصبح الأجواء ملبدة بالحروب والكوارث، كما في ، حيث يتساءل الشاعر مسكوناً بحس المرثية: «ما يدفع الأمم الكبيرة/ كي تجاملنا/ لزرع سمائنا بالطائرات/ ما يجعل الصحراءَ تنمو هكذا/ إن مات عنها الأصدقاء/ وما يعذبني كثيراً أنَّ هذا غامض/ أنَّ الطبيعة سوف تعمل في تحيزها/ وتنسى أننا أبناؤها».
كما أن الموت في حضن الطبيعة آمن لا يكلف شيئاً، حسب تعبير الديوان أيضاً . في مقابل هذه القسوة العابرة، يبرز عفو الطبيعة مشكلاً ذروة هذا الخلاص، وكأنه رحم أمومي يحتضن الروح والجسد، بعيداً عن قبح العالم وفساده... يطالعنا هذا المعني في قصيدة بعنوان «تداعٍ» يقول فيها الشاعر:وما يعرض البحرُ للنازحين:- ستمطرُ هذا الصباحَ؟هذا الخلاص بالطبيعة، وهذه المشهدية، يشكلان خيطاً للوصل والقطع مع سيرتين يعمل الديوان على إنضاجهما، والتقاط المشترك والمهمّش والمسكوت عنه في ظلالهما، أعني بهما سيرة الجنوب والشمال، فعلاوة على الإهداء الذي يحتفي به الشاعر بوالديه وشريكة حياته، وخمس نجمات يضئن ليل الجنوب، تطالعنا القصيدة الأولى بعنوان «من سيرة الجنوب والشمال»، منحازاً من خلالها إلى ما يمكن أن أسميه تبعيض الكل، أو تجزئته، الكامن في حرف الجر بالعنوان، والذي يفيد التقليل، ما يعني ضمنياً أننا أمام ذات شعرية لا تدعي معرفة ما تجهله، وإنما تكتب ما عاشته وما تعيشه، ما أحبته وتحبه... ذات مسالمة، تريد إصلاح العالم بالشعر والحب، أو على الأقل يكونان عتبة في سبيل ذلك. ورغم نفحة الرومانسية في هذا العنوان، إلا أنه ربما يكون ملائماً لمناخ ديوان يعتمد في بنيته على إيقاع التفعيلة حجر أساس، في زمن شاعت فيه قصيدة النثر، حتى أصبحت التفعيلة من «التابوهات»، وهذه جرأة تحسب لشاعر متمكن من أدواته ولغته، حريص على أن يكون لمفرداته صوت، تحسه العين والأذن معاً. تمتد هذه القصيدة على مدار 20 صفحة من ، وهي مقسمة إلى 6 مقاطع مرقمة، ما يشكل تقريباً أكثر من ثلث الديوان الواقع في . لكن هذا الاتساع الذي لم نصادفه في قصائد أخرى، هل له ما يبرره فنياً وشعرياً؟ فنياً: أتصور أن هذه القصيدة تشكل الكتلة - المتن، التي ينبثق منها اللحن الأساس في الديوان، وتبرز فيها طاقة السرد وشعرية التفاصيل، بينما ما يأتي بعد ذلك بمثابة تنويع على هذا اللحن وصدى له... وشعرياً: نلاحظ أن حركة الذات في هذه القصيدة، لم تكترث كثيراً بفرديتها، بقدر ما كان جل همها هو التماهي مع الكتلة، وما تحتويه من أحلام وأشواق، لا تزال تومض في عباءة المكان، وذلك على عكس إيقاع بقية القصائد، حيث تنفلت الذات من أسر الكتلة، والتي تتحول إلى رجع صدى، بينما تتسع مساحة الاستناد على فرديتها وأشيائها الشخصية، وربما يكون من اللافت هنا أن نصنع نوعاً من المفارقة بين هذين العالمين... يقول الشاعر في القصيدة الأولى المتن:
United States Latest News, United States Headlines
Similar News:You can also read news stories similar to this one that we have collected from other news sources.
الخلاص بالطبيعة... شعرياًتبرز الطبيعة رحماً شعرياً ودالاً مركزياً له حضوره الخاص في ديوان «محاولة لاستصلاح العالم» للشاعر محمود سباق، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وفاز بجائزتها لأفضل ديوان شعر في معرض القاهرة الدولي للكتاب. فمن براح الطبيعة تنفتح نصوص الديوان على
Read more »
الحب ومكابداته... شعرياًتتنوع أسئلة الحب ومكابداته، في ديوان «بضوء أكثر شحوباً» للشاعرة رشا أحمد، معبرة عن القلق والضجر من الحياة، ومن الحب نفسه، الذي يشكل دالاً مركزياً في الديوان، تدور حوله المشاعر والرؤى والانفعالات ومفارقات الأزمنة والأمكنة، سواء عبر حضورها المنقضي في ا
Read more »
الخلاص بالطبيعة... شعرياًتبدو الطبيعة وكأنها مخزن الصور والرؤى والكلمات في ديوان «كسماء أخيرة» للشاعر السوري عماد الدين موسى. وتنعكس تحولاتها على تحولات الذات الشاعرة، ونظرتها للواقع والعناصر والأشياء. فالمشهد الشعري مفتوح بحيوية على فضاء الطبيعة، يستقى منها المعنى والدلالة،
Read more »
