صحيفة عربية إلكترونية إخبارية مستقلة شاملة تسعى لتقديم الخبر والتحليل والرأي للمتصفح العربي في كل مكان. ونظرا لحرص الصحيفة على تتبع الخبر في مكان حدوثه، فإنها تمتلك شبكة واسعة من المراسلين في غالبية العالم يتابعون التطورات السياسية في العواصم العربية على مدار الساعة.
، يبدو واضحا أننا لسنا أمام" حرب خاطفة" كما ادعت أمريكا وإسرائيل، لإسقاط النظام ال إيران ي أو شل قدراته الصاروخية، ولا أمام مواجهة تقليدية محصورة في جغرافية محددة، بل نحن اليوم أمام ما يمكن تسميته" حرب بلا مركز"؛ عبارة عن صراع شبكي وجبهات مستعرة، تتداخل فيها الحسابات، وتتساقط فيها الخطوط الحمراء تباعا.
إن منطقة الشرق الأوسط، مع استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تقف أمام زلزال يضرب أركانها بالكامل، وتواجه محاولة هندسة أمريكية-إسرائيلية مكشوفة لإعادة رسم خرائط النفوذ على وقع طبول المواجهة الشاملة.إذا ما حاولنا تفكيك المشهد الميداني بعد شهر دامٍ من الحرب على إيران، نجد أنفسنا أمام ثلاث حقائق أساسية تفرض نفسها على طاولة أي مراقب سياسي أو عسكري، وهي على النحو التالي: 1- وهْم الحسم السريع وكفاءة الردع المتبادل؛ فرغم الحشود الأمريكية غير المسبوقة في مياه المتوسط والخليج، ورغم الكثافة النارية الهائلة التي صبتها الطائرات الإسرائيلية على أهداف استراتيجية داخل إيران، فإن الواقع على الأرض يثبت أن محاولة"كسر العظم" للدولة الإيرانية ليست بالسهولة التي تخيلها صقور الحرب في واشنطن وتل أبيب. لقد أثبت الميدان أن طهران ما زالت قادرة على إظهار مرونة عسكرية لافتة، متمثلة في إطلاق رشقات صاروخية باليستية وطائرات مسيرة انقضاضية، استطاع بعضها اختراق أكثر منظومات الدفاع الجوي تطورا في العالم والوصول إلى أهداف حساسة، مثل ديمونة، ومصنع الكيماويات في بئر السبع داخل الأراضي المحتلة. إن هذه الحقيقة وحدها تسقط فرضية"شل القدرات الإيرانية" في أيام معدودة، وتؤكد أننا أمام حرب استنزاف طويلة الأمد، أكثر مما توقع كثيرون. 2- تشظي الجبهات وانتقال الصراع إلى النمط الشبكي؛ حيث لم تعد هذه الحرب ثنائية أو حتى ثلاثية الأطراف، بل تدحرجت كرة النار المشتعلة لتشمل جغرافيا شاسعة. لقد باتت القواعد الأمريكية في المنطقة تحت التهديد المباشر للصواريخ الإيرانية، والممرات المائية الحيوية، من مضيق هرمز إلى باب المندب، أصبحت مناطق عمليات عسكرية مفتوحة، وهذا ما نسميه الانتقال من"الحرب المتناظرة" إلى"الحرب الشبكية"، وهو ما يعني ببساطة أن أي شرارة في نقطة ما قد تشعل حريقا في نقطة تبعد عنها آلاف الكيلومترات، مما يجعل مفهوم"السيطرة على التصعيد" مجرد رفاهية نظرية، وكلاما في الهواء لا وجود له على أرض الواقع. 3- أهداف زئبقية وطموحات متدحرجة، حيث بدأت هذه الحرب، في الأدبيات السياسية المعلنة، تحت شعار تقويض البرنامج النووي الإيراني وكسر"حلقة النار" المحيطة بدولة الاحتلال الإسرائيلي. لكن مع مرور الأيام، بدأت التصريحات الأمريكية والإسرائيلية تكشف عن سقف أعلى بكثير؛ فالهدف الفعلي تحول تدريجيا نحو محاولة إسقاط النظام الإيراني، أو على الأقل تقليص نفوذه الإقليمي إلى حدود الانكفاء الداخلي التام، وإعادة ترتيب أوراق المنطقة وفقا لمخطط يضمن هيمنة أمنية مطلقة للمحور الأمريكي-الإسرائيلي لعقود قادمة.إن السؤال المطروح الآن هو: ما الذي تريده أمريكا وإسرائيل فعلا من هذه الحرب؟ ولفهم ما يحدث، يجب ألا ننظر إلى وقائع الحرب الدائرة الآن كأحداث معزولة، بل كأدوات في مشروع جيوسياسي أكبر. إن قراءة المشهد بعين فاحصة بعيدة عن العواطف تكشف بوضوح عن طبيعة المأزق والفخ الذي نُصب للمنطقة، فالاستراتيجية المشتركة لواشنطن وتل أبيب تتحرك وفق ثلاثة مسارات رئيسية ومدروسة: 1- تصفية الفائض من القوة الإقليمية؛ فالهدف هنا ليس مجرد تدمير منصات الصواريخ، أو تدمير المشروع النووي، بل كسر إرادة الدولة الإيرانية وشبكة تحالفاتها الممتدة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. كما يُراد لإيران أن تخرج من هذه الحرب مثخنة بالجراح، فاقدة للقدرة على التأثير خارج حدودها، ومجردة من أي أوراق القوة التي راكمتها على مدى أربعة عقود. 2- فرض الاصطفاف بالإكراه، وذلك من خلال تعمد توسيع دائرة الاستهداف لتشمل منشآت قريبة من حدود دول الخليج، أو عبر اتهام أطراف أخرى بالتواطؤ، وتسعى هذه الاستراتيجية الخبيثة إلى سحب الدول العربية من منطقة"الحياد الإيجابي" أو"الوساطة"، وإجبارها على الانخراط المباشر أو غير المباشر في الحرب كأطراف داعمة للمجهود الحربي الأمريكي-الإسرائيلي. 3- استراتيجية الفوضى المدارة طويلة الأمد. وهنا تدرك واشنطن أن الحسم العسكري الكامل في جغرافيا كجغرافيا إيران هو أمر شبه مستحيل دون التورط في حرب برية كارثية. لذلك، فإن البديل هو إبقاء مسرح الصراع ملتهبا، والمشهد في حالة"غليان مستمر"؛ ضربات متبادلة لا تؤدي إلى سقوط طرف بالضربة القاضية، ولكنها تستنزف طاقات الجميع، وتجعل المنطقة في حاجة دائمة إلى"المظلة الأمنية الأمريكية"، وتقدم تبريرا لإعادة مسالك الطاقة العالمية ورسم الخرائط الاقتصادية.هنا مكمن الخطر الأكبر، وهنا يجب أن تتوقف العواصم العربية طويلا للتأمل والقراءة الواعية. إن الفخ الحقيقي الذي نُصب للمنطقة لا يتمثل في التفجيرات هنا أو هناك، بل في المآلات السياسية والاقتصادية التي يُراد جر العرب والمنطقة بأكملها إليها، ويتجلى ذلك في عدة نقاط: أولا: تحويل الجغرافيا العربية إلى"صندوق بريد" وساحات تصفية حسابات؛ فعندما تُستهدف القواعد العسكرية الأمريكية على أراضٍ عربية، أو عندما تضطر الدول العربية لفتح أجوائها أو إغلاقها تحت الضغط الأمريكي، فإنها تتحول قسرا إلى جزء من المعركة الدائرة الآن، وتُجبر على دفع الفواتير الاقتصادية والأمنية والسياسية لهذه الحرب. وتكمن خطورة هذا التكتيك في أنه يسلب دول المنطقة سيادتها وقرارها المستقل، ويجعل شعوبها وبنيتها التحتية أهدافا مشروعة في حسابات الرد والرد المقابل. ثانيا: النزيف الاقتصادي الممنهج؛ إذ إن استمرار قصف منشآت الطاقة وتهديد ناقلات النفط في الخليج ليس مجرد أزمة عابرة، بل إنه ضربة في مقتل لمشروعات التنمية والازدهار في المنطقة، واستنزاف للمقدرات الخليجية والعربية. فبعد عقود من البناء والتنمية وتحول الخليج العربي إلى قطب اقتصادي عالمي، تأتي هذه الحرب لتهدد البنية التحتية، وتعرقل الملاحة في مضيق هرمز، وتضرب أمن الطاقة. إن ما يحدث ليس صدفة، بل هو نتاج طبيعي لسياسة"حافة الهاوية" التي يمارسها البيت الأبيض الأمريكي، والتي لا تبالي بانهيار اقتصادات المنطقة ما دامت تخدم مصالح انتخابية أو حسابات توسعية صهيونية. هذا الاستنزاف القاتل يعيد إنتاج أزمات التضخم والركود، ويهدد سلاسل الإمداد، ويجبر الحكومات على تحويل ميزانيات التنمية والرفاه إلى ميزانيات تسلح ودفاع مجددا، لتدور عجلة الاقتصاد العسكري بكامل طاقتها في أمريكا والغرب. ثالثا: مأزق الاستقطاب الحاد القاتل، حيث يُراد للعرب أن يختاروا بين فسطاطين؛ إما الانخراط الكامل في الحرب مع المحور الأمريكي-الإسرائيلي بكل ما يحمله ذلك من كلفة شعبية وأخلاقية وتاريخية، وإما الصمت الذي يُفسر على أنه رضوخ في مواجهة إيران. هذا التخيير القسري هو الفخ الأكبر المنصوب لدول المنطقة، لأنه يسلب العواصم العربية ميزتها النسبية الكبرى المتمثلة في القدرة على المناورة وبناء شراكات متعددة الأقطاب.أمام هذا الواقع المعقد والخطير الذي فرضه العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، لا يمكن أن يكون الصمت خيارا، أو أن يكون الانتظار تكتيكا مجديا. إن اللحظة التاريخية الراهنة تتطلب من الدول العربية صياغة مقاربة شجاعة وواقعية تقوم على مبدأ"حماية الذات أولا" وتجنب الانجرار إلى محرقة الآخرين. ويمكن بلورة هذه المقاربة في الخطوات التالية: 1- التمسك الصارم بمبدأ"الحياد السيادي والجغرافي"، وهذا يستوجب أن يكون هناك موقف عربي موحد وحاسم يرفض بشكل مطلق استخدام الأجواء أو الأراضي أو المياه الإقليمية العربية كمنطلق لأي عمل عسكري أمريكي ضد إيران أو أي طرف آخر. هذا ليس دفاعا عن إيران، بل هو دفاع عن الأمن القومي العربي. كما يجب إبلاغ كافة الأطراف، وبشكل معلن ورسمي، أن الدول العربية لن تدفع ثمن حروب الآخرين ولن تكون وقودا لها. 2- دعم المسارات الدبلوماسية الإقليمية المستقلة، ويمثل الاجتماع الرباعي الأخير في إسلام آباد خطوة في الاتجاه الصحيح. إن المطلوب الآن هو انتزاع زمام المبادرة الدبلوماسية، وتشكيل"جبهة دبلوماسية عربية-إقليمية" تضغط في المحافل الدولية، وفي واشنطن وموسكو وبكين، لفرض وقف إطلاق نار فوري، وعدم ترك طاولة المفاوضات حكرا على واشنطن التي تتلون مواقفها بين التهديد المفرط والتوسل المبطن للتفاوض، ذلك أن الحل لا يمكن أن يكون عسكريا، والبديل عن الدبلوماسية هو الخراب الشامل الذي لن ينجو منه أحد. 3- تحصين العمق الاقتصادي وبناء شبكات الأمان، إذ يجب على الدول العربية تفعيل خطط طوارئ اقتصادية حقيقية تتجاوز مجرد مراقبة أسعار النفط. ويتطلب الأمر تأمين ممرات بديلة للتجارة، وتعزيز المخزونات الاستراتيجية من السلع الأساسية، والأهم من ذلك، تسريع وتيرة التكامل الاقتصادي العربي البيني لتقليل الاعتماد على الأسواق العالمية المضطربة. 4- تصفير الأزمات والحفاظ على خيوط التواصل مع الجميع، فأكبر خطأ قد تقع فيه الدبلوماسية العربية الآن هو قطع قنوات الاتصال مع أي طرف من أطراف الصراع. وهنا يجب على الدول العربية الحفاظ على قنوات مفتوحة مع طهران، ومع واشنطن، وحتى مع الأطراف الأوروبية، وهذا التواصل ليس ترفا، بل هو الأداة الوحيدة التي تمنح الدول العربية القدرة على قراءة النوايا، والوساطة عند الضرورة، وتجنب المفاجآت الكارثية. 5- الاستعداد الواعي لليوم التالي للحرب، فالحروب مهما طال أمدها، ستنتهي في نهاية المطاف إلى طاولة مفاوضات. إن الخوف كل الخوف هو أن تُصنع خريطة نفوذ جديدة للمنطقة يتقاسمها الكبار وتدفع ثمنها شعوب المنطقة العربية، ولذلك يجب على الدول العربية أن تبدأ منذ الآن في صياغة رؤيتها لـ"اليوم التالي"؛ رؤية تضمن أن يكون الأمن الإقليمي نابعا من مصالح دول المنطقة وشعوبها، وليس مفروضا عليها من الخارج لحماية مصالح عواصم بعيدة.إن استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يضع المنطقة أمام مفترق طرق تاريخي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فما نشهده اليوم ليس مجرد جولة حرب جديدة، بل نحن في قلب زلزال جيوسياسي يعيد ترتيب القوى والمصالح. إن سياسة حافة الهاوية التي تمارسها أمريكا وإسرائيل تهدف إلى استدراج جميع دول المنطقة إلى الحرب، وهذا هو الفخ الخطير الذي نصبته واشنطن وتل أبيب للمنطقة. إن الرد العربي على هذا الفخ يجب أن يتحلى بالحكمة والواقعية السياسية التي تُعلي من شأن مصالح دول المنطقة وتضعها فوق أي اعتبار آخر، بعيدا عن الانفعال والاستسلام، وذلك هو السلاح الأمضى لإحباط مخططات الإغراق الإقليمي. إن الاستقرار في الشرق الأوسط لن تصنعه صواريخ"توماهوك" ولا المغامرات البرية لجيش الاحتلال الإسرائيلي، بل تصنعه إرادة شعوب المنطقة في العيش بسلام وأمان.باستمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فإن الشرق الأوسط يدخل نفقا مظلما فرضته عقلية الهيمنة والانتقام الصهيونية، والسبيل الوحيد للخروج من هذا النفق أن تتوقف الدول العربية عن لعب دور"المتفرج القلق"، لتأخذ مكانها الطبيعي كصانع قرار يوقف الحرب بقوة التضامن والمصالح العربية المشتركة. لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن الحروب في منطقة الشرق الأوسط لا تترك وراءها منتصرا، بل تترك فقط ركاما ودماء وأحقادا مؤجلة. إن العواصم العربية تملك اليوم فرصة تاريخية لتقول"لا" واضحة قوية لسيناريوهات الدمار التي تقود إليها واشنطن وتل أبيب، وتثبت للعالم أنها قادرة على فرض توازن عاقل يحمي شعوبها ومستقبلها من أتون حرب لا تبقي ولا تذر.
