بتوابيت فنية وسهرات جنائزية متقنة، تكشف صور التقطتها باحثة سويسرية عن جنازات غانا الفخمة والسرية.
دبي، الإمارات العربية المتحدة -- أمضت الباحثة السويسرية ريغولا تشومي أكثر من 20 عامًا توثق التقاليد الجنائزية الفريدة لشعب "غا" في جنوب شرق غانا ، ما قادها لنيل درجة الدكتوراه، ونشر كتب أكاديمية عديدة، آخرها إصدار كتاب صور مثير بعنوان:"مدفونون بأناقة: التوابيت الفنية وثقافة الجنازات في غانا ".
يحتوي كتاب تشومي على صور التُقطت بين العامين 2004 و2024، معظمها لشعب "غا" في منطقة أكرا الكبرى، إضافة إلى شعوب "فانتي"، و"وتجمع تشومي هذه الصور في أقسام تغطّي الجنازات المسيحية وتلك التقليدية، إلى صعود راقصي التوابيت في غانا، وتقاليد "عرض الجثمان"، ثم فهرس لتوابيت فنية مصمّمة بحسب الطلب من قِبل حرفيين محليين. أقيمت جنازة نيي أجبيتيكور، الزعيم العسكري التقليدي الأعلى لمنطقة نونغوا في أكرا الكبرى، في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 وكانت مناسبة نادرة نظراً لأهميتها.وقد ظهرت هذه التوابيت في منتصف القرن العشرين، واستوحيت أساسًا من المحفة التقليدية المزخرفة، وفق تشومي، وهيوخلال السنوات الأخيرة، أثارت هذه التوابيت خيال الإنترنت بفضل تصاميمها الغريبة ومغزاها الحرفي. فعلى سبيل المثال، دُفن لاعب كرة قدم كان يحلم بالهجرة إلى الولايات المتحدة داخل تابوت على شكل حذاء كرة قدم، مطلي بنجوم وخطوط علم الولايات المتحدة، في العام 2022.بينما دُفنت قابلة في العام 2011، داخل تابوت على هيئة امرأة بحالة ولادة. وبالمثل، دفن كاهن في تابوت على شكل إبريق شاي ضخم في العام 2009، في إشارة إلى الإبريق الذي كان يستخدمه خلال ممارسته لطقوسه.Regula Tschumi ومن المثير للاهتمام أن المتوفى ليس من يختار تصميم التابوت، بل عائلته، بحسب ما قالت تشومي لـCNN: "العائلة تقصد صانع التوابيت. أحيانًا يكون لدى الفنان فكرة، وأحيانًا العائلة، وأحيانًا يجلبون صورة". وأوضحت تشومي أن صناعة التابوت تستغرق عادة بين 5 و10 أيام، وإلى وقت قريب كان النجارون يعملون يدويًا بالكامل.وشرحت أنّ التوابيت لا تعد باهظة الثمن بمعايير الغرب لهذا السبب يفضل صانعوها بيعها إلى الخارج، مضيفة "أن يُشترى تابوت من قِبل متحف أو معرض فني يُعد صفقة كبيرة". ويبدو أن توثيق هذه التوابيت ليس بالأمر السهل، فكثيرًا ما تضطر تشومي الانتظار لساعات أمام الورش، لأن غالبًا ما تأخذ العائلات التوابيت فور انتهاء تصنيعها مباشرة.ولفتت تشومي إلى أن شعب غا "لا يرحب بالأجانب كثيرًا"، وقد أمضت سنوات كي تكسب ثقة وجهاء القرى، والكهنة، والأشخاص ذوي السمعة داخل مجال تنظيم الجنازات. وهناك أسباب وجيهة لكون شعب غا يتحفظ على طقوسه. فبحسب ما يشير الكتاب، تمّ قمع العديد من الممارسات الجنائزية التقليدية خلال الحقبة الاستعمارية البريطانية، ما دفع بعض الطقوس التي كانت سرية إلى مزيد من التخفي والسرية.وبحسب ما ذكرته تشومي، من بين هذه الممارسات كان دفن الموتى تحت أرضيات المنازل، حتى تتمكن روح المتوفى من العودة بسهولة إلى منزل العائلة. وعندما أجبرت الحكومة الاستعمارية شعب "غا: على استخدام المقابر، فقد عرّضت هذه الرحلة الروحية للخطر. ومع ذلك، تقول تشومي إن هذا التقليد لا يزال يُمارس في بعض المناطق.وشرحت: "ما زلنا لا نعرف أين يُدفن الزعماء والكهنة"، موضحة أن الزعماء غالبًا ما يُدفنون ليلًا بعيدًا عن أعين الناس، وتُقام جنازاتهم لاحقًا باستخدام تابوت أو محفة فارغة. غير أنّ الباحثة تمكّنت إلى حد كبير من الوصول إلى تفاصيل دقيقة ونادرة. ويعد بنجامين أيدو، مؤسس فرقة "راقصي التوابيت" الشهيرة، إحدى الشخصيات الرئيسية في قصتها، إذ ساعدها منذ لقائهما الأول في ملطع العقد الثاني من القرن الحالي. في عام 2017، فاجأت عائلة في منطقة أكرا الكبرى المشيعين بعرض قدمته فرقة من راقصي التوابيت. حيث رقصت الفرقة بالتابوت المصمم على شكل شاحنة وحملته إلى مراسم الدفنودخل أيدو مجال تنظيم الجنازات كمتدرّب يعمل يومي الجمعة والسبت، بالتوازي مع متابعة تحصيله العلمي في المدرسة الثانوية، وذلك لمساعدة أسرته، وفق ما ذكر في حديثه مع CNN. ويقول: "أثناء المسير في الجنازات، كنت أرى الناس يبكون وينوحون، وكان الأمر يؤثر فيّ بشدة. حينها سألت نفسي لماذا نحزن؟ يجب أن نحتفل بالموتى".Nana Otafrija Pallbearing and Waiting Services"، أيشركة أيدو تؤدي مهامًا متعددة في يوم الجنازة والليلة التي تسبقها. كانت هذه الجنازة، في أكرا الكبرى عام 2024، لبائع أسماك.في أحد الأيام من العام 2012، كان يحمل نعشًا أثناء انتظار مراسم الدفن، وكانت الطبول التقليدية تقرع في الخلفية. ويتذكر: "قررت أن أبدأ بالتحرّك يسارًا، ثم يمينًا، ثم يسارًا، ثم يمينًا. وتوقف الناس عن البكاء، ثم بدأوا يصفقون لنا ويرمون المال". حينها خطرت له فكرة الاحتراف بهذا المجال. وبدأ أيدو تدريب حاملي النعوش على رقصات منسّقة، واشترى لهم أزياء موحّدة، وبدأ بالسفر عبر البلاد للمشاركة في الجنازات. ويشير إلى إن العمل ازدهر بشكل كبير قبل جائحة كورونا، حين انتشرت مقاطع الفيديو الخاصة برقصة حاملي النعوش على الإنترنت وأصبحت ظاهرة عالمية، مشيرًا إلى أنه كان يوظّف حوالي 100 شخص في ذلك الوقت.واليوم، أصبح راقصو التوابيت التابعون لأيدو مطلوبين بشدة. وتشير تشومي إلى أن الشركة ألهمت تقليدًا واسع النطاق، لكن لا يتمتّع جميع المقلّدين بالمهارة ذاتها. وتصف تشومي أيدو بأنه أعز أصدقائها، وأنّ هذه الصداقة مكّنتها من الاطلاع على جوانب من عالم الجنازات تُقام عادة خلف أبواب مغلقة. في الليلة السابقة للجنازة، تقوم بعض العائلات بما يُعرف بـ "العرض الجنائزي"، حيث يعرض جثمان المتوفى ويأتي المشيعون لتقديم احترامهم الأخير. قد يكون المتوفى مستلقيًا، كما في هذه المراسم التي أُقيمت عام 2024 في منطقة أكرا الكبرىورغم أن تقليد عرض المتوفى قبل الدفن ليس حكرًا على غانا، إلا أن بعض المجتمعات الغانية تأخذ هذا التقليد إلى مستويات استثنائية. ففي إحدى صور تشومي، توثّق ما يُعرف بـ"العرض المسائي" وهي سهرات فاخرة ومزخرفة تقام في الليلة التي تسبق الجنازة. وعادةً ما يجتمع الأهل والأصدقاء داخل خيام ضخمة مغطاة بالقماش لوداع الميت والتفاعل معه. ويقول أيدو: "كل شيء يجب أن يبدو واقعيًا. يجب أن تُفتح عيناه لكي يرى الناس ملامحه بوضوح.. يجب أن نملأ وجنتيه بالقطن باستخدام أدوات جراحية". وغالبًا ما يُوضع الجسد في وضعية الجلوس أو الوقوف لاستقبال الزوار، ويتم إلباسه بطريقة تعكس حياته وشخصيته. وأثناء الليل، يقوم المحنطون أحيانًا بإعادة وضع الجثة في أوضاع مختلفة من دون أن يلاحظ الحاضرون. أكثر طقوس "العرض" تفصيلًا شهدتها تشومي، تعود لكاهنة في المنطقة الوسطى العام 2017. بدأت الكاهنة جالسة في محفتها التي كانت معلّقة من السقف، قبل أن تُغيَّر وضعيّتها "ثلاث أو أربع مرات"، وتُبدّل ملابسها. وفي التبديل الأخير، تمت تغطيتها بعجينة بيضاء لحمايتها من الشر، ثم رُتّبت تمامًا كما كانت يوم تنصيبها ككاهنة، في غرفة أُعيد تشكيلها لتُماثل مزارها الأصلي. وتجدر الإشارة إلى أنّ طقوس "العرض" ليس حكرًا على الشخصيات المرموقة، ولا تقتصر على المناسبات الحزينة، إذ يوثق كتاب تشومي مراسم لأشخاص عاديين مثل بائعة سمك وعامل طرق. وروت ما حرى خلال أمسية تأبينية في العام 2022، حيث جلس المتوفى ممسكًا زجاجة بيرة أمام شوّايته الخاصة المضاءة. وتقول تشومي: "وضعنا النقانق على الشواية. وكانت الأجواء أشبه بحفل".وتتذكر تشومي أن كتابها الصادر في العام 2011، بعنوان "تاريخ الفن المخفي: تحولات والتصويرية لشعب الجا في غانا"، عُرض من قِبل صانعي النعوش على الزعماء في المنطقة الوسطى، غرب منطقة شعب غا في أكرا الكبرى. وتقول إن هؤلاء الزعماء، الذين لم يستخدموا المحفة من قبل، بدأوا بعدها بطلب محفات خاصة بهم. وتضيف: "من المثير أن ترى كيف يمكن لعمل باحث أن يؤثر على تقليد في مكان ما".
غانا تصاميم رسم رقص صور عادات وتقاليد كتب CNN بالعربية CNN Arabic مقال
United States Latest News, United States Headlines
Similar News:You can also read news stories similar to this one that we have collected from other news sources.
العروق الزرقاء تكشف أسرار الصحةعلى الرغم من أن العروق الزرقاء الفاتحة التي تظهر على ظهر اليدين قد تبدو طبيعية، إلا أن خبراء الصحة يحذرون من تجاهلها، هذه العروق قد تعكس مؤشرات مهمة عن صحة الدورة الدموية والجلدية،...
Read more »
غانا: لمحة عن ثقافة جنائزية مفعمة بالفرحعندما تطأ قدماك الورشة المتواضعة لإيريك كباكبو أدوتي، الواقعة على أطراف العاصمة الغانية أكرا، لا يمكن لعينيك تفويت ذلك التابوت الضخم المُصمَّم على شكل هاتف.
Read more »
إيران.. تنفيذ حكم الإعدام في عميل لإسرائيل كشف أسرارا استراتيجيةنفذت السلطات الإيرانية اليوم الأحد حكم الإعدام في مجيد مصيبي بعد إدانته بالتجسس لصالح إسرائيل، وكشف أسرار استراتيجية عن البلاد.
Read more »
كشفُ سرّ الضوء الخافت الذي يشعّ من الدماغالضوء سرّ من أسرار الحياة، وعنصر رئيسي في استمرارية مختلف الأنظمة البيئية على الأرض، حتى إنّ بعض الكائنات الحيّة مثل الديدان والأسماك تشعّ ضوءاً من تلقائها.
Read more »
علماء يحلون لغزا عمره 30 عاما قد يكون مفتاح الوقاية من مرضين يصعب علاجهمانجح باحثون في كشف النقاب عن أحد أسرار الجسم البشري التي حيرت العلماء لعقود.
Read more »
دهشة في عمق البحر... الحيتان تُقدِّم فرائسها للبشر!توصَّلت دراسة جديدة إلى أنَّ الحيتان القاتلة تعرِض أحياناً مشاركة فرائسها مع البشر، مما يشير إلى أنَّ بعضها الذكي قد يحاول تطوير علاقات مع الإنسان.
Read more »
